نشر @DiplomaticShoun التحليل التالي للعقيدة السياسية لدولة الإمارات العربية المتحدة على X، وأعاد نشره @hey_itsmyturn.
نشرت صحيفة فاينانشال تايمز اليوم مقالاً لافتاً؛ سرعان ما تحول إلى مادة لقراءتين متناقضتين تماماً. فقد رأى فيه مؤيدو السياسات الإماراتية دليلاً على براعة في إعادة ضبط المسارات كلما تبدلت المعطيات؛ بينما اعتبره منتقدوها كشفاً عن سياسة مرتفعة المخاطر، تحكمها المصلحة أكثر مما تقيدها الثوابت.
المقال منح كل طرف ما يكفي لتثبيت روايته، لذلك قررنا الدخول على الخط: سنقوم بتفكيك هذه المقالة من منظور جيوسياسي أوسع؛ في إطار محاولة للتوصل إلى إجابة تساعد في التعرف على عناصر العقيدة السياسية الإماراتية المحيّرة وفقاً لما ورد فيها.
- مسار ثابت وطرق فرعية: يرى المنتقدون أن سياسات الإمارات دائمة التبدل، وبالتالي يصعب الثقة فيها. فيما يرى المؤيدون أن هذه القدرة على إعادة الضبط والتوجيه حال تغيرت المعطيات تعكس منتهى الواقعية وتدلل على كفاءة ووعي بسرعة تبدل أوضاع المنطقة. وبتتبع تحركات الإمارات خلال السنوات الماضية، يبدو أن المناورة وإعادة الضبط لتحسين الاستجابة نمط متكرر في عقيدة السياسة الإماراتية. فقد انتقلت من التدخل العسكري المباشر في اليمن منذ عام 2015 إلى خفض قواتها وإعادة الانتشار عام 2019. وظهر المنطق نفسه في سوريا، حيث دعمت المعارضة في بداية الأزمة ثم أعادت فتح سفارتها نهاية 2018، والآن تتفاعل إيجابياً مع النظام السوري الجديد المناقض لنظام الأسد. وكذلك مع تركيا، إذ تحولت العلاقة من التوتر إلى شراكة اقتصادية واسعة. وهو ما قد يفسره البعض بالقدرة على الفصل بين ثبات المصالح ومرونة الأدوات؛ بما يمنحها قدرة مرتفعة على المناورة، لكنه يجعل سياساتها أحياناً صعبة التوقع والثقة لدى الأطراف الأخرى.
- ولادة عنصر الردع المباشر: رأت المقالة أن عدم قيام إيران باستهداف الإمارات في الجولة الحالية هو نتيجة لتفعيل الإمارات عنصر الردع عبر شن عمليات عسكرية داخل إيران. يرى منتقدو السياسة الإماراتية أن الإمارات لا حق لها في شن عمليات عسكرية داخل إيران؛ بينما يرى المؤيدون أن كل الحق مع الإمارات رداً على اعتداءات إيرانية على السيادة الإماراتية. إلا أن النقطة الأهم هنا أن شن الإمارات عمليات عسكرية داخل إيران يمثل ولادة عنصر جديد من عناصر عقيدة السياسة الإماراتية لم يكن موجوداً سابقاً. فالردع بمعناه التقليدي كان موجوداً لكن لم يتم تفعيله؛ وهو ما قد يمثل ولادة عنصر الردع المباشر المُدار؛ حيث يبدو أن هدف الإمارات من هذه العمليات كان خفض التصعيد، وفي الوقت ذاته رفع كلفة الهجوم عليها إن تكرر.
- اقتصاد يقيد السياسة أم سياسة تحمي الاقتصاد؟ يرى منتقدو الإمارات أن الضرر الذي طال الاقتصاد الإماراتي بمثابة فرصة لتقويض قدرات السياسة الخارجية الإماراتية في مختلف قضايا المنطقة. بينما اعتبر مؤيدو السياسات الإماراتية أن الحرب لم تترك هذا الأثر الضخم؛ بل إن الحرب كان لها فضل في اتخاذ الإمارات قراراً جريئاً وشجاعاً، وهو تحرر العقيدة السياسية من الوقوع المستمر تحت القلق من الانعكاسات السلبية المحتملة على الاقتصاد. حيث يبدو أن الإمارات قررت فك هذا القيد.
- ثغرة الجغرافيا: يرى منتقدو الإمارات أن الحرب كشفت عن مناطق ضعف الإمارات؛ وعلى رأسها الجغرافيا. فبمجرد إغلاق مضيق هرمز وتزايد القيود على المعابر البرية؛ ظهرت صعوبات في عمليات دخول وخروج البشر والتجارة. فيما يرى المؤيدون أن الإمارات لم تنكر وجود نقاط ضعف وثغرات؛ ولذلك سارعت في إعادة هندسة الجغرافيا؛ بإنشاء خط أنابيب جديد، وميناءين في الفجيرة، وتعزيز حماية منشآتها الاستراتيجية. وهو ما يصنف في أدبيات السياسة باعتبارها تحركات وأدوات تقلص قدرة الخصم على الابتزاز.
- دبي وأبوظبي: ازدواج أم تكامل؟ عادة ما يتم استدعاء دبي وأبوظبي في التحليلات بشأن سياسات الإمارات. حيث يستدعيهما منتقدو الإمارات عبر تأطيرهما كخصمين يسيران على طريقين مختلفين؛ بينما يرى المؤيدون أن دبي وأبوظبي تمثلان محركين متكاملين للعقيدة السياسية الإماراتية. حيث توجد في دبي جالية إيرانية كبيرة؛ بينما تتشارك أبوظبي ودبي في حجم الاستثمارات والاقتصاد مع إيران. كما أن سلوك الردع الإماراتي في العمليات العسكرية التي شنتها يعكس حقيقة إدراك الحكومة الإماراتية لمخاطر التصعيد على نموذج دبي؛ إلا أنه في الوقت نفسه كان هذا المستوى من الردع ضرورياً للحفاظ على استمرار النموذج على قيد الحياة.
- التحرك وحيداً أحياناً؛ ومبكراً أحياناً: يرى منتقدو الإمارات أنها عادة ما تخرج عن الإجماع الإقليمي؛ وهو ما يعني أنها تحمل نظرة معادية لمحيطها. فيما يرى مؤيدو الإمارات أن هشاشة هذه المنطقة من العالم، وسرعة التغير والتبدل، وعدم تماسك التحالفات، وسيطرة المصالح الضيقة؛ تتطلب امتلاك القدرة على اتخاذ قرار التحرك وحيداً أو خارج الإجماع؛ تقديراً أن هذا السلوك يحمي من مخاطر مقبلة ويسهم في قنص فرص متنوعة قبل اشتداد التنافس.
⚠️ مختصر تقديرنا الاستراتيجي
على الرغم من محاولتنا تفكيك عناصر عقيدة السياسة الإماراتية التي وردت في مقالة فاينانشال تايمز؛ إلا أنه يبدو أننا وقعنا نحن أيضاً في فخ الحيرة. فيبدو أن تعقيدات المنطقة وتشابكاتها وتبدلاتها دفعت الإمارات، أو ربما اضطرتها، إلى بناء عقيدة سياسية تقوم على إدارة التناقضات؛ وهي قدرة قد تعكس كفاءة ومرونة، لكنها لا تعني بالضرورة إمكان احتواء هذه التناقضات بلا كلفة. إلا أن التاريخ قد يحد من هذه الحيرة؛ حيث يخبرنا أن التناقضات عنصر أصيل في العلاقات الدولية؛ لا يمكن إنهاؤها، بل إدارتها مع قبول أن كلفتها قد ترتفع أحياناً؛ وهو منطق يبدو متجذراً في العقيدة السياسية الإماراتية.
من جانب آخر؛ يعكس المقال جانباً آخر من عقيدة السياسة الإماراتية، وهو أن الإمارات تتحرك داخل دوائر شديدة الاتساع والتضاد من النفوذ والتحالفات والخصومات؛ ما قد يجعل سياستها أكثر تأثيراً، لكنه يجعلها أيضاً أكثر تعرضاً لأخطاء الحساب في منطقة متبدلة وغير مستقرة. ويبدو أن الحسابات الإماراتية ترى أن الخسائر الناتجة عن بعض الأخطاء في الحسابات تظل مقبولة وأقل كلفة من خسائر الثبات في المكان، أو التصميم على رفض الفصل بين القضايا والأزمات.

النقاش
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة بعد.