هناك طريقتان لقراءة المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة وإيران.
الطريقة المهذبة تقول إن الدبلوماسيين يعملون، والوسطاء يتحركون، وطهران وواشنطن تحاولان إنهاء الحرب، والجميع ينتظر التوقيعات.
الطريقة الواقعية تقول شيئا آخر: النظام الإسلامي مصاب، سلسلة القيادة غير واضحة، المرشد الأعلى الجديد إما شبه غائب أو شبه عاجز، ومحمد باقر قاليباف قد يكون في موقع يسمح له بتحويل أي اتفاق مع الولايات المتحدة إلى انتزاع داخلي للسلطة.
ليس انقلابا بالدبابات على التلفزيون.
بل انقلاب داخل النظام.
النوع الذي يبقى فيه الجميع بالبدلات نفسها، ويبقى العلم نفسه، وتستمر الشعارات نفسها، لكن مركز السلطة الحقيقي ينتقل بهدوء.
وإذا لم يكن هناك اتفاق حقيقي أصلا؟ فقد تكون العملية كلها شيئا آخر: فخا من ترامب لكشف انقسامات طهران، ودفعها إلى التزامات لا تستطيع تنفيذها، وجعل النظام الإسلامي يملك الفشل باسمه.
في الحالتين، هناك شيء مهم يحدث خلف البيانات الرسمية.
الاتفاق ليس سياسة خارجية فقط
على الورق، تدور المفاوضات حول الحرب، ومضيق هرمز، والعقوبات، والمواد النووية، وحزب الله، والضمانات، وكم يستطيع كل طرف أن يبيعه كأنه انتصار.
لكن داخل إيران، الأمر لا يتعلق بواشنطن فقط. إنه يتعلق بطهران.
أي اتفاق مع الولايات المتحدة سيخلق فورا سؤالا لا يستطيع النظام الهروب منه:
من يملك فعلا صلاحية التوقيع، والتنفيذ، وتسويق الاتفاق، والنجاة منه؟
هذا السؤال أهم من الورقة نفسها.
إذا وقع النظام الإسلامي شيئا ثم عجز عن فرضه على الحرس الثوري، والبرلمان، والقضاء، والميليشيات، والإعلام، ومكتب المرشد، فإن الاتفاق يصبح دليلا على الضعف. أما إذا استطاع شخص ما فرضه، فهذا الشخص يصبح مركز الثقل الحقيقي.
وهنا يدخل قاليباف إلى الصورة.
أين مجتبى؟
الرواية الرسمية تقول إن مجتبى خامنئي حي ويمارس دور المرشد الأعلى.
ربما.
لكن الصورة العامة غريبة.
هو لا يتصرف كقائد حرب ظاهر. لا يحمل النظام علنا. يبدو محاطا بالوسطاء، ومصفى عبر طبقات من الصمت، ومحميّا من الظهور. هذا لا يعني أنه ميت. ولا يثبت أنه خارج السلطة تماما.
لكنه يدعم احتمالا مهما جدا:
قد يكون مجتبى الآن أقل من حاكم وأكثر من ختم.
رمز مصاب. اسم في أعلى الصفحة. قطعة ضرورية من مسرح النظام.
وإذا كان المرشد الأعلى مجرد ختم، فالسؤال الحقيقي يصبح: من يمسك باليد التي تحركه؟
قاليباف ليس مجرد رئيس برلمان
قاليباف ليس رئيس برلمان عاديا.
هو ابن الحرس الثوري، وقائد سابق في الشرطة، ورئيس بلدية طهران السابق، ورئيس البرلمان الحالي، وأحد أكثر رجال النظام خبرة في البقاء. يعرف عالم الأمن. يعرف عالم المال. يعرف البيروقراطية. يعرف كيف يجلس مع الدبلوماسيين وهو ما زال يتكلم بلغة الصواريخ.
هذا المزيج مهم.
عراقجي يمكن أن يكون الوجه الدبلوماسي. قاليباف يمكن أن يكون الجسر السياسي والأمني. وهذا دور أخطر بكثير.
إذا كان قاليباف قريبا من ملف المفاوضات، فهو ليس هناك لتزيين الغرفة. هو هناك لأن الملف ليس دبلوماسيا فقط. إنه يتعلق ببقاء النظام، والانضباط الداخلي، ومن سيدير اليوم التالي.
المتشددون يفهمون هذا. لذلك فإن الهجمات عليه مهمة. الناس داخل النظام لا يرتعبون من رجال بلا وزن. يرتعبون عندما يقترب شخص ما من نقل مركز الثقل.
الانقلاب قد لا يبدو انقلابا
الناس يتخيلون الانقلابات كجنود يسيطرون على محطات التلفزيون.
هذا تبسيط شديد بالنسبة للجمهورية الإسلامية.
في هذا النظام، يمكن أن يبدو الانقلاب كأنه تنسيق.
يمكن أن يبدو كأنه ضرورة أمن قومي.
يمكن أن يبدو كأنه إدارة مؤقتة لمرحلة ما بعد الحرب.
يمكن أن يبدو كرئيس برلمان يتحول إلى الوسيط الذي لا يستطيع أحد تجاوزه بين الخارجية، والحرس الثوري، والقضاء، ومجلس الأمن، وما تبقى من مكتب المرشد.
إذا وقع الاتفاق، يستطيع قاليباف أن يقول:
- منعنا الانهيار.
- أعدنا فتح الشريان الاقتصادي.
- انتزعنا تنازلات.
- أنقذنا الدولة.
- دافعنا عن النظام بينما كان المتشددون العاطفيون يريدون الانتحار.
هذه قصة قوية.
وفي الدكتاتوريات، القصص مهمة. ليس لأن الناس يصدقونها، بل لأن النخب تحتاج إلى أعذار لتغيير مواقعها.
الاتفاق سيمنح قاليباف هذا العذر.
يمكنه أن يصبح الرجل الذي يحول الهزيمة إلى إدارة، والتراجع إلى استراتيجية، والإهانة إلى حكمة.
سلوك كلاسيكي للنظام الإسلامي: يخسر بقسوة، يسميها نصرا، ثم يعاقب كل من يتذكر الحقيقة.
التوقيع رمزي. التنفيذ هو السلطة
الكلمة الأهم بعد أي اتفاق لن تكون السلام.
ستكون التنفيذ.
من يتحكم بتخفيف العقوبات؟
من يتحكم بأموال إعادة البناء؟
من يتحكم بترتيبات هرمز؟
من يتحكم برواية النصر؟
من يقرر أي المتشددين مخربون؟
من يقرر أي وسائل إعلام تجاوزت الخط؟
من يقرر أي القادة ما زالوا موثوقين في نظام ما بعد الحرب؟
إذا اقترب قاليباف من هذه المفاتيح، فلا يحتاج إلى إعلان نفسه مرشدا أعلى.
يكفي أن يصبح الشخص الذي يجب أن يمر الجميع من خلاله.
هذه هي السلطة.
الاتفاق قد يتحول إلى تطهير داخلي
بعد أي اتفاق، قد يبدأ النظام فورا في مطاردة الخونة.
ليس الخونة الحقيقيين. ليس الذين دمروا إيران لعقود.
سيستخدمون الاتفاق لتصفية الحسابات الداخلية.
من عارض الاتفاق سيصبح متهورا. من سرب شيئا سيصبح جاسوسا. من ينتقد قاليباف سيصبح مفرقا للصف. من يسأل عن وضع مجتبى سيصبح أداة للعدو.
هكذا تتماسك الأنظمة السلطوية بعد الإهانة. لا تستطيع الاعتراف بالهزيمة في الخارج، فتعوض ذلك بإظهار القوة في الداخل.
إذا كان قاليباف ذكيا، فلن يبدأ بالدراما. سيبدأ بالانضباط.
قضية إعلامية هنا. تغيير أمني هناك. لجنة برلمانية. ملف قضائي. بعض التحذيرات. بعض الاعتقالات. بعض الإحالات إلى التقاعد.
السكين ستكون ملفوفة بلغة إدارية.
أو ربما ترامب ينصب الفخ
هناك احتمال آخر.
ماذا لو لم يكن هناك اتفاق حقيقي؟
أو بدقة أكبر: ماذا لو كان الرئيس ترامب يترك طهران تعتقد أن هناك اتفاقا، بينما يصمم العملية بحيث يضطر النظام إما إلى قبول استسلام مهين أو كشف نفسه برفضه؟
هذا ليس غير منطقي.
ترامب يستفيد من وضع تتقاتل فيه أجنحة إيران علنا. يستفيد إذا سربت طهران شروطا وهمية، وبالغت، وأنكرت، وناقضت نفسها، ثم بدت فوضوية. يستفيد إذا بدا النظام الإسلامي أمام العالم كطرف عاجز عن اتخاذ قرار نهائي.
ويستفيد أيضا إذا دفعت صياغة الاتفاق إيران إلى التزامات لا تستطيع تنفيذها فعلا:
- اليورانيوم عالي التخصيب.
- هرمز.
- الميليشيات.
- لبنان.
- التحقق.
- الضمانات.
النظام يستطيع أن يقول نعم لينجو هذا الأسبوع. لكن هل يستطيع فرض هذه النعم على الحرس الثوري، وحزب الله، والميليشيات العراقية، وشبكات التهريب، والمتشددين، ومكتب قيادة متضرر؟
هذا هو الفخ.
الاتفاق على الورق سهل.
أما أن يطيع النظام الورقة، فهذا هو الجزء الصعب.
قد يكون ترامب يختبر هل ما زالت لدى طهران سلسلة قيادة. وإذا لم تكن لديها، تصبح المفاوضات عملية استخباراتية بميكروفونات مفتوحة: من يرد، من يتأخر، من يناقض، من يرتبك، من يسرب، من يعرقل.
بهذه القراءة، فإن شبه الاتفاق ليس سلاما.
إنه غرفة ضغط.
ما الذي يجب مراقبته
إذا كانت هذه النظرية صحيحة، راقبوا اللغة.
راقبوا هل يظهر قاليباف أكثر حول الملف الدبلوماسي.
راقبوا هل يبدأ إعلام النظام بوصفه بالمسؤول، والبراغماتي، والاستراتيجي، وركن الاستقرار.
راقبوا هل يهاجمه المتشددون بشكل أوضح.
راقبوا هل يبقى مجتبى مخفيا، أو ممثلا عبر رسائل، بدل القيادة الظاهرة.
راقبوا هل يبدأ الحرس الثوري باستخدام كلمات مثل الوحدة، والتخريب، والانضباط، والأمن القومي.
راقبوا هل يصبح البرلمان فجأة مركزيا في تنفيذ الاتفاق.
راقبوا هل يفتح القضاء ملفات ضد أشخاص يتهمون بإضعاف الدولة خلال المفاوضات.
راقبوا هل يبيع النظام الاتفاق لا كتسوية، بل كمقاومة أجبرت أميركا على التراجع.
هذه ستكون الإشارة.
ليس السلام.
إعادة التغليف.
قراءتي
لا أعتقد أن النظام الإسلامي يفاوض من موقع قوة.
أعتقد أنه يفاوض لأن النظام تلقى ضربات قاسية، وسلسلة القيادة متضررة، وهرمز تحول من ورقة ضغط إلى عبء، والنظام يحتاج إلى الأوكسجين.
لكن الأوكسجين سياسي.
من يسيطر على أسطوانة الأوكسجين يسيطر على المريض.
في هذه اللحظة، يبدو قاليباف واحدا من القلائل داخل النظام القادرين على الوقوف بين الدبلوماسيين، والدولة الأمنية، والبرلمان، وما تبقى من مكتب المرشد.
وهذا يجعله خطيرا.
إذا حدث الاتفاق، فقد يصبح الرجل الذي يقول إنه أنقذ النظام الإسلامي.
إذا فشل الاتفاق، فقد يقول ترامب إن طهران لم تكن جادة أبدا، ويستخدم الفشل لتبرير المرحلة التالية.
السيناريوان سيئان لاستقرار النظام الداخلي.
الفرق الوحيد هو هذا:
إذا كان هناك اتفاق، فقد يستخدمه قاليباف لتركيز السلطة.
وإذا لم يكن هناك اتفاق، فقد يكون ترامب استخدم المفاوضات لكشف أن لا أحد في طهران يملك القيادة فعلا.
وربما هذه هي القصة الحقيقية.
ليس الاتفاق.
بل فراغ السلطة خلفه.





النقاش
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة بعد.